«الغذامي» والحوار الهادف
صقر العنزي - اليوم
يعتبر الدكتور عبدالله الغذامي المفكر والناقد الكبير من أكثر الشخصيات التي دار ويدور حولها جدل كبير في الوسط الثقافي السعودي, شخصية كثيرا ما دخلت في سجال طويل ومرير مع مختلف التيارات الفكرية والأطياف الثقافية على اختلاف انتمائها ومدارسها. ولكتاباته ونتاجه الثقافي ميزته الخاصة عن غيره, فهي محط أنظار الكثيرين المؤيدين والمعارضين.
كان الخلاف كبيرا بينه وبين التيار الإسلامي على وجه الخصوص. خلاف ولد فجوة كبيرة لم تكف السنون الطوال لعلاجها. لم يكن هناك حوار مفتوح وصريح يضع النقاط على الحروف لتحرير الخلاف, بل كانت كل السبل تقريبا شبه منقطعة, إلا من لقاءات قليلة هنا وهناك.
يتهمه مخالفوه بالكثير من التهم المختلفة والمتنوعة, كالعلمانية والليبرالية ومحاولة تغريب المجتمع, والحداثة المناهضة للتراث, وغيرها من السلسلة الطويلة. وهو يرى أن مخالفيه لم يجلسوا معه ليعلموا ما لديه, ولم يسمعوا منه جيدا.
اليوم يستقبل الغذامي دعوة كريمة من جامعة الإمام محمد بن سعود لإلقاء محاضرة في كلية اللغة العربية. دعوة تأتي بعد أربعين عاما قضاها تلميذ جامعة الإمام بعيدا عن أسوارها. يقول الدكتور الغذامي في حديث لإحدى الصحف : «تخرجت في جامعة الإمام منذ أربعين عاماً ، ومنذ ذلك اليوم لم أدخل الجامعة لا مبادراً ولا مدعواً ، وكنت سعيداً بالدعوة التي وجهتها لي الجامعة ، لأنها ستتيح لي الفرصة للقاء أطياف فكرية ربما لا تتقاطع مع الغذامي ، وستجعلني أعرفهم ويعرفونني عن قرب، من خلال الحوار والنقاش المباشر « .
هي ولا شك تعتبر مفاجأة الوسط الثقافي, حيث لم يدر بخلد أحد أنه سيأتي اليوم الذي تذوب فيه كتل الجليد ويستقبل الغذامي دعوة من الوسط الذي كان في يوم من الأيام متسيد الموقف المخالف له. إنه تغير كبير في النظرة إلى المخالف, وحركة مباركة على طريق الحوار السليم بعيدا عن التشنج والإقصاء. وتطور محمود على طريق التقارب والالتقاء.
لقد غاب المنهج السليم في الحوار الهادف والجاد زمنا طويلا, وعانى المجتمع كثيرا والوسط الثقافي تحديدا من سيطرة ثقافة المعركة والصراع والعنف على تعاملات البعض مع مخالفيهم. هذه الثقافة التي من طبيعتها تحويل المجتمع إلى مجتمع ضعيف مترهل متهالك, وتقسيمه إلى مجتمعات متفرقة, وأحزاب متشتتة, وفرق متنافرة, لا يجمعها رابط. ثقافة تنشئ حالة من العداء الفكري والثقافي للمخالف, وعدم الاستقرار الاجتماعي, والقلق المتواصل. وصعوبة في الحديث والاتصال والالتقاء بين أفراد المجتمع الواحد. كل فرقة تتصيد أخطاء الفرقة الأخرى, وكل إنسان يعمل من أجل نفسه غير مكترث بالمصلحة العامة. وهنا من السهل لكل متربص أن يصطاد بالماء العكر ويزيد من أوار هذه الحروب والصراعات والمعارك لتحقيق مكاسب شخصية أو فئوية.
إنني لأجزم أن الكثيرين ممن مارسوا ثقافة الصراع هذه نادمون عليها, فهي لم تأت بشيء, ولم يجن أصحابها سوى تكريس الخلاف والفرقة. وإنني أكاد أجزم كذلك أن الكثيرين ممن وقفوا في وجه الدكتور الغذامي في الفترات السابقة لم يقرؤوا من كتبه إلا قليلا, بل بعضهم لا يعرفون عنه سوى انه رجل من التدين والأمانة الوقوف في وجهه. خاصة أننا نعيش في عصر من السهل فيه وصم رجل بالعلمانية والليبرالية والفسق والفجور لمجرد خلاف بسيط معه. حتى ولو كان هذا الخلاف سائغا وفي أمر ثانوي من أمور الدين أو الدنيا. بل كيف هو الحال لو وجد في مجتمعنا مفكر علماني صميم, من أمثال الفيلسوف العلماني محمد أركون على سبيل المثال, اعتقد انه لن يعمر طويلا!!.